شاركها 0FacebookTwitterPinterestLinkedinRedditWhatsappTelegram 15 غاص قلبي وأنا أمشي بين الحُطام، قدماي ثقيلتان، جسدي منهك من أثر السير الطويل، أمشي في بالطو أبيض بأكمام واسعة، قفازات بيضاء سميكة، أضع على فمي وأنفي كمامة، وتتدلى من رقبتي السماعة الطبية برأسها الفضي. حطام حطام، بنايات كاملة لم يعد لها وجود، بيوت، مدارس، حدائق، محال، دكاكين صغيرة، تطل متشحة بسوادها كالأشباح. ورائحة الموت الكئيبة تملأ جو المكان. أفكر أن الأرض تحت قدميّ تحوي عشرات الموتى فأجزع، وألتفت إلى رئيس القافلة الطبية، أسأله متى نصل المستشفى فيقول إنه قريب. لكني لم أكن أرى أية مبانٍ قائمة سليمة. ويصيبني الشك في وجود أحياء سنعالجهم هناك. رأيته صدفة فاستغربت، كان يجلس مُربِعا قدميه، ويدفن رأسه بين كفيه الصغيرين، يبدو كجزء من الحطام. يضع أمامه ملاءة كبيرة مفرودة وعليها أشياء كثيرة. أترك الفرقة وأقترب منه فأرى ما على الملاءة، “حلة ألامونيا” كبيرة بيدين من عاج وغطاء زجاجي مشروخ، طقم أكواب بعضها مكسور، صينية بلاستيك زرقاء كالحة، سنارة سمك قصيرة وطعمان موضوعان في علبة صغيرة، سنادات صغيرة لعجلة أطفال، علبة سجائر مفتوحة، ثياب كثيرة بمقاسات مختلفة، مكومة فوق بعضها، زجاجات فارغة، ألعاب أطفال رخيصة، نظارة طبية بذراع واحدة وعدساتها مكسورة، برواز كبير مشطور لنصفين، ساعة حائط تسير عقاربها عكس الاتجاه، موقد صغير وعلبة كبريت. أجلس إلى جواره، أضع يدي على كتفه وأقول له أنني طبيب من البلد الفُلانية فيهز رأسه ولا يتكلم، أسأله عن الأشياء، يتردد قبل أن يقول بصوت مبحوح: هاي اغراضنا . – حاجه أهلك يعني؟ – اه .. اغراضنا – وهما فين؟ تدمع عيناه ويغمغم بكلام غير مفهوم، ثم يشير إلى كتلة الملابس المكومة ويقول: هاي اواعيهم . ألاحظ للمرة الأولى أن الثياب ملطخة ببقع حمراء داكنة، فأربت على كتفه وأقول له إنهم أحياء عند ربهم. يقول:اخوي … اخوي كمان مات ، كان بجاهد .. يُطرق قليلا ثم يكمل: أنا اللي .. أنا اللي دفنتهم كلهم. يصمت كلانا وقد عجز لساني عن مواساته حتى، لكن فضولي دفعني لأسأله: انت فضلت ازاي؟ – بعرفش ،قصفو البيت ومحسيتش بشيء بعدها, وصحيت بالمستشفى ولما سالت عنهم حكولي كلهم ماتوا. أربت على كتفه مجددا وأنا أبكي، وهو يبكي. أنظر إلى الأشياء وأنا لم أفهم بعد لماذا يضعها هكذا. أسمع صوت رئيس القافلة فجأة وهو ينادي اسمي عبر مكبر للصوت فأنتفض، أختلس نظرة إلى الساعة فأدرك أن الوقت قد سرقني. أعتدل وأقبل الولد بين عينيه وعلى رأسه وأمضي. لكنه يستوقفني، يشير إلى الأشياء ويقول: ما بدك تشتري شيء ؟ * من المجموعة القصصية بعنوان (برواز مشطور) والتى تصدر قريب عن دار (مدارات) للأبحاث والنشر قد يعجبك أيضاً «عشبة ضارة في الفردوس»: المأساة الكردية في مرآة الأدب ماذا قدّم الأدب في 2017: القصة القصيرة والشعر «الراكور» في دراما رمضان: حمى البحث عن أخطاء التصوير كيف تقرأ «سفيتلانا ألكسييفيتش»: التاريخ الشفهي لمآسي الإنسان شاركها 0 FacebookTwitterPinterestLinkedinRedditWhatsappTelegram عمر سليم Follow Author المقالة السابقة The Hateful Eight – داعش الأمريكية المقالة التالية The Social Network: الحقيقة وراء مؤسس «فيسبوك» قد تعجبك أيضاً Bookmark سلسلة «كتابات جديدة»: أمل جديد في السوق الثقافي المصري 03/03/2023 Bookmark مسلسل «فرصة تانية»: ياسمين صبري … لماذا؟ 03/03/2023 Bookmark أفضل 10 مسلسلات أجنبية في 2018 03/03/2023 Bookmark رياض السنباطي: من «بلبل المنصورة» إلى أحسن موسيقي في العالم 03/03/2023 Bookmark الخطاة الكبار: دوستويفسكي وأبي وأنا 05/03/2023 Bookmark مسلسل الأزهر: تجديد الخطاب الديني بالكارتون 01/03/2023 Bookmark «زينب تكره الثلج»: حياتنا من الثورة إلى كندا 03/03/2023 Bookmark حكاية «فريدي ميركوري»: مغني الروك الأعظم في التاريخ 03/03/2023 Bookmark لهذه الأسباب تصدر فيلم «البدلة» عيد الأضحى 03/03/2023 Bookmark فيلم «1917»: إعادة تدوير قصة الإنسان في كلاسيكية جديدة 03/03/2023 اترك تعليقًا إلغاء الرد احفظ اسمي، البريد الإلكتروني، والموقع الإلكتروني في هذا المتصفح للمرة القادمة التي سأعلق فيها.